سبع انعكاسات للنهاية!! - هالة عماد
فتاة تجلس وحيدة في الشباك

سبع انعكاسات للنهاية!!

ينتهي العالم من الداخل أولا

الإنكار


أزعجني صوت اهتزاز الهاتف
ابقيه صامتا معظم الوقت في محاولة لخلق هدوء زائف، تكفيني الضجة بداخلي
: سها حقا؟! إنها السادسة صباحا
: العالم على… وشك… الانتهاء، افتحي.. التلفاز… أو… اقرأي الاخبار …على… هاتفك..
لم أستطع أن أتبين هل كانت تبكي أم تضحك في هيستريا
ودعت أحضان النوم وقمت متثاقلة من فراشي …..في طريقي المطبخ تعثرت في وسادة وكدت أسقط

سبع انعكاسات للنهاية


أعددت قهوة سريعة وملأت صدري برائحتها في محاولة لأستفيق أدرت التلفاز
: زلزال يسجل ٦ بمقياس ريختر يضرب عددا من الدول في آن واحد، هذا وقد …
: في تحرك عالمي تجاه الكارثة الكونية دعا الرئيس الأمريكي ….
: نيزك ضخم يتجه للأرض بسرعة كبيرة ….
: وفي حالة عدم القدرة على تحويل مساره فسوف …
: القضاء على ٧٠% من الحياة على كوكب الأرض و….

 

أغلقت التلفاز بعد جرعة الاخبار المنشطة للسخرية
ارتشفت قهوتي وأنا أبتسم
كلما أرادوا التغلب على تظاهرات حاشدة ضد أمريكا اخترعوا نهاية العالم
في المرة القادمة سيدعون وجود مركبة فضائية تحوم حول الأرض لتظل هي حامي حمى الكون
ليتني لم أرد على الهاتف
(سها ) قلت لهاتفي
سمعت رنين الهاتف دون إجابة
: اترك رسالة …
حسنا ما الذي يمكننا أن نفعله في يوم يتكرر كل قرن
ما الذي يمكن فعله قبل أن تنتهي الكذبة
ارتديت فستانا ورديا وحملت معدات التصوير ونزلت إلى الشارع
جلست في سيارتي التقط صورا للفراغ
لا شيء
لا أحد
لا وجود انساني
اسمع اصوات بكاء بين حين وآخر
اسمع صوت تلفاز عال
اسمع صوت عصافير تنوي أن تبدأ يومها بشكل عادي
لا خوف ولا قلق
ولا نيزك في أخبارها
ولا نهاية تستدعي أن يلزموا أعشاشهم حتى إشعار آخر

الغضب


قدت سيارتي نحو الكورنيش وتنعمت بنسمة باردة خالية من عوادم السيارات
أخفقت أن أجد شخصا بالطريق
حتى محطة البنزين خاوية على عروشها
كنت اريد الحصول على كوب آخر من القهوة وقطعة من الكرواسون يبدو أنه كان علي أن أتناول الطعام قبل المغامرة بالخروج لقلب الصمت
ساعتين أتحرك على كورنيش الإسكندرية ولا أجد إنسانا
كأن الأرض انشقت وبلعتهم
ركنت سيارتي وأخذت الكاميرا والتقطت صورا للبحر والسماء والكورنيش المهجور والسيارات المتروكة على جانبي الطريق بدون اهتمام كأنها تركت في عجلة من أصحابها


جلست على الكورنيش اتذكر متى كانت آخر مرة أزوره مع تنفس الصباح
لعل ذلك منذ عام أو أكثر
حين اخفي يديه في جيوب سترته وأخبرني أن عليه الرحيل
وأن الأمر مرهون برغبتي فيه أو رغبتي عنه
ورهن الاختيار بتطرفي في العشق أو اعتدالي في العقل
كان يعلم أن البحر يسكن روحي ولا يمكنني مفارقته وأن خروجي من الاسكندرية يعني تحقق نبوءة جارتي العجوز: إن فاتك البحر فاتتك الدنيا
هو لا يصدق النبوءة
وأنا لا أطمئن للعشق خارج أرضي
نفيته من قلبي وبكيته كأنه رحل عن الدنيا
انقطع حبل الود ولم تنقطع أخباره
كلما زارتني صديقة أو حدثني صديق رموا تحت قدمي قصة عنه ثم سألوني إن كنت بخير
أنا بخير وضياع وحيرة
يمكنكم اختيار وجهتكم حسب رغبتكم في معرفة الإجابة

 

شعرت ببرودة تتسلل لجسدي وارتعشت بقوة
وأحسست بالأرض تهتز تحت قدمي
: ها قد عاد الدوار من جديد … آه الأرض تنشق
تصدعت الأرض تحت قدمي فرجعت للخلف بسرعة فوقعت
:لا….لا …لا … انكسرت عدسة الكاميرا
نظرت للصدع أمامي وانكمشت جبهتي
: حقا … هل تمزحين معي …اتتخلين عني وانا تخليت عن كل شيء لأجلك
نظرت للسماء
: حقا … هل تنوي إنهاء الأمر؟!!…. لكن …لكن … كنت أظن أن لدي المزيد من الوقت … المزيد من الوقت لأحزن …لأفرح… لأنجب أطفالا…. لأحلم لهم…. كيف يمكنك فعل ذلك بي ؟!!

الشوارع الفارغة من الناس

المساومة

لا أتقبل فكرة الرحيل باكرا
ولم أتقبل فكرة ركوب سيارتي ليبتلعني شارع في هزة أخرى
أقنعتني أن علي السير على الأقدام أو الجري
وأن الوصول لبيتي لن يستغرق ربع ساعة
أمسكت هاتفي بين دموعي وانا أتلفت حولي بحثا عن شبح أتشبث به
لا أحد
أين ذهب الجميع
هل دخلوا مساكنهم أملا في النجاة
أم ابتلعتهم الأرض حقا لا مجازا وامتصت أرواحهم المعذبة بالخوف


(سها ) أخبرت هاتفي من جديد
اسمع الرنين دون أمل في إجابة
أفي سابع أرض أنت يا سها أيضا؟!
أفي غيبوبة من الهلع؟!
أفي خيبة أمل من الحياة؟!
لم أيقظتني؟!
( منعم )
يلهث الهاتف من جديد في محاولة لطمأنتي
يلهث دون جدوى أو رد
ثم يرتعد بين يدي
(منعم )
: أين أنتي ؟!
: لا أدري … هنا … في مكان م..ا .. قريب… من .. بيتي
: ابتعدي عن البحر قدرما تستطيعين
: هل … تمزح… الإسكندرية ي..حيط …بها ….البحر
: ارحلي عنها حالا
: لا … لا …استطيع … لا يمكنني .. القيادة
: اهدئي … حبيبتي ..خذي نفسا عميقا
:……..
: يمكنك فعل ذلك .. يمكنك القيادة … اخرجي من المدينة … سيثور البحر عليك …
توقفت عن الجري بلا هدف ونظرت لهاتفي فتحت مكبر الصوت
: هل مازلت حبيبتك؟!
: وهل بقى بالقلب سواك؟!
: لماذا قررت الرحيل أذن؟!
: رغبة في محاولة جديدة للحياة ورهبة من ماض يمتصك بداخله
: عدني بشيء
: أعدك
: دون أن تعرفه
: أعدك
: اشتقت إليك
: …….
(منعم)
: الهاتف مغلق أو غير متاح …
(منعم)
: الهاتف مغلق أو غير متاح …
تنهدت في عمق


نعم تأخرت
تأخرت في طلبك ما يزيد عن العام
يحق لك أن تتوقف عند هذا الحد
يحق لك ألا تتاح لمرة أخيرة
حسنا يمكنني أن أحاول
يمكنني أن أترك البحر فالحياة تاركة لي شئت أم أبيت فلأتركها أنا بين ذراعيه
نظرت للسماء: هل تمنحني فرصة أخيرة؟!
عدت ببطء لسيارتي.

الحزن

فتحت تطبيق الخرائط
كل الطرق ملونة بالأحمر
ابتسمت بسخرية
هل هو لون النهاية؟!
لو حاولت الخروج الآن لما وصلت قبل اسبوع
اضع رأسي على المقود واجهش في البكاء
أي مرارة تلك!
وأي حجر خرج من جهنم اليوم ليقضي علينا!
نعم نحن نستحق
نستحق أن نسحق كحشرات صغيرة تحت حجر ضخم
نستحق أن نختبر الرعب ويمزقنا الأمل
نستحق أن نكون حجر زهر في رهان أخير
يمكننا الآن أن ننظر لنهاية الطريق دون حيل إنسانية ودفاعات تستقطب شفقة الآخرين


أسامحك اليوم يا أمي
أسامحك لأنك تركتني ورحلت دون وداع
أسامحك على الشوق والحيرة والأمل الكاذب بعودتك
أسامحك ولا انتظرك
أطلق سراحك من غضبي من رغبتي في الصراخ بوجهك
من قسوتي في الحكم عليك
آآآآه
صرخت بقوة
كان طائر نورس قد ارتطم بزجاج سيارتي الأمامي كأنه سقط من السماء
مسحت دموعي ونظرت حولي
يا الهول الطيور تتساقط كشهب من السماء ترتطم بالحائط وزجاج المباني والسيارات
هل تسقط أم تنتحر ؟!!
رباااه
انها تختار النهاية أو تختار لها نهاية أرحم من نهايتنا؟!
ماذا علي أن أفعل الآن؟!

التقبل

وجهت عيني للبحر بابتسامة هادئة
حسنا لنفعل ذلك بامتنان
فتحت معرض الصور في هاتفي وظللت أقلب في ذكريات صغيرة وأحداث مرت بنا أو مررنا بها
أثقلتنا إلى الأرض
أو منحتنا أجنحة للسماء
تفاعلنا معها وانفعلنا بها
هناك وجوه فقدت أسماؤها ذاكرتي
لكن بقيت ابتسامتي تدل على ود وانسجام
وهناك وجوه حفرت أسماؤها في قلبي
غلبت علينا شقوتنا وفرقتنا الحياة بينما ظلت الصور تحمل نفحة من أرواحنا
كم صورة مررت بها
فمررت حلقي
وكم صورة مرت بي فأثلجت صدري
لقد عشت حياة حافلة بالأحداث
حياة كانت تستحق أن تسرد في محاولة لتوثيقها أو تلقينها لروح جديدة
(لو زارني فجر جديد سأختار حياة جديدة )
سجلت الرسالة على هاتفي ووضعته بجيبي
ملأ غروب الشمس عيني
غادرت السيارة متحاشية جثث الطيور من حولي
جلست علي الكورنيش انظر لنهاية اليوم
اهتزت الأرض من تحتي
نهاية اليوم
أم نهاية الحياة
اهتزت الأرض من جديد
ابتسمت للشمس ولوحت لها
وسألتها بطفولة وعفوية
هل ستعودين في الصباح
اهتزت الأرض …..


النهاية

الغروب

اقرأ أيضا للحب روايات أخرى

كتبت القصة قبل عرض فيلم لا تنظروا للسماء 

شكرا لقرائتكم مقال سبع انعكاسات للنهاية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

انتقل إلى أعلى